مهرجان دهوك الثقافي الثالث رؤية ورأيمهرجان دهوك الثقافي الثالث رؤية ورأي د.خليل شكري هياس - قليلة هي الملتقيات الثقافية التي تنجح في خلق فضاء من الحيوية والتألق في سماء المعرفة والتآلف والتفاعل بين المشاركين، وقليلة هي الملتقيات التي تنجح في مدِّ جسور من التواصل والتفاعل والتلاقح بين الثقافات، وقليلة هي الملتقيات التي تخلق حالة من نكران الذات بين القائمين عليها إلى الحد الذي تلغى فيها الفردية بكل نزعاتها النرجسية وحب الظهور واستغلال الفرص، لصالح الانصهار في بوتقة الروح الجماعية المتفانية في تقديم أفضل الخدمات من أجل الخروج برؤية ناصعة في صناعة الأهداف المرجوة من الملتقى.
هذا هو بالضبط ما حصل في مهرجان دهوك الثالث الذي أقامه اتحاد الأدباء الكرد في دهوك والذي كان رائعاً في كل شيءٍ، إعداداً، وتنظيماً،وإخراجاً، ومشاركات، وكم كانت فرحتي كبيرة وأنا أشاهد وأعيش هذا الحدث الباهر والمشرف على أرض الوطن بعد سنواتٍ من الرغبة والأمل والحلم المتشكل في كل حضور للمهرجانات والندوات والمؤتمرات خارج الوطن، إذ كثيراً ما سألنا أنفسنا نحن العراقيين المتواجدين في هذا المحفل أو ذاك: لماذا لا نُقِم مثل هذا المحفل عندنا، ونحن بشهادة الجميع الأكفأ والأقدر من غيرنا إذا ما توفرت لدينا المستلزمات المطلوبة مع الدعم والتشجيع.
يتبادر إلى ذهني الآن وأنا أكتب هذا المقال، موقف بعض القراء الذين سيصنفونه في قائمة المقالات الغزلية أو المنفعية للحصول على رضا هذا الطرف أو ذاك، أو هذه الشخصية أو تلك، فأجدني أكثر إصراراً وعزما وشجاعة في نقل الحقيقة وتسجيل إعجابي وتقديري وفرحي بهذا المنجز الذي استطاع أن يحقق أهدافاً مهمة قد لا يستطيع السياسيون من تحقيقها، وهنا أجدني أمام لوحة متناقضة متشكلة من ذلك الحضور العراقي بكل أطيافه وألوانه العربي والكردي والتركماني والسريالي واليزيدي، يضمهم فضاء من الألفة والمحبة والفرحة بهذا اللقاء،يقابله في ذلك حالة من الفرقة والصراع بين الساسة على هذا المنصب أو ذاك تاركين الشعب يتخبط في فقره ومرضه وقتله الذي أصبح زاده اليومي، ولكي لا يكون كلامي مجرد انطباع ذاتي يفتقد الدليل والموضوعية في الطرح، سأعمد إلى تسليط الضوء على مجريات المهرجان.
على صعيد الحضور ضم المهرجان نخبة من الشعراء والأدباء والنقاد من مختلف أنحاء العالم، فضلاً عن المقيمين في أقليم كردستان العراق وبقية المحافظات، فعلى الصعيد العالمي حضر كل من يان بيكين نائب رئيس برلمان بروكسل السابق، والصحفي البلجيكي رشتو، والصحفية اشيفان يارم بيرم التي تعمل في راديو هولندا العالمي والكاتبة والمصورة الغوتوغرافية البلجيكية أبليش، والدكتور إحسان نبي زادة كاتب من بروكسل، والقاصة الأردنية المبدعة والفائزة بعدد كبير من الجوائز العربية والعالمية الدكتورة سناء شعلان ويذكر أن أعمالها القصصية ترجمت مؤخراً إلى البولندية، بالاضافة الى الوفد الثقافي الكردي القادم من دياربكر وباتمان واستانبول وميردين الذي تجاوز اعضاؤه ال 18 كاتبا بالاضافة الى ممثلي المؤسسات الثقافية الكردية في تركيا (جمعية الادباء الكرد في آمد- دياربكر- كورد كاف – مجلة w -نادي القلم التركي ، والوفد الكردي القادم من كردستان ايران البالغ عددهم 8 ادباء ومن الادباء الكرد في اوروبا البالغ عددهم 12 كاتبا يمثلون جهات ثقافية تعمل لصالح الكلمة الكردية في المهجر ، بالاضافة الى الكتاب العرب العراقيين الذين فاق عددهم ال 20 كاتبا وممثلي وسائل الاعلام المختلفة .وفي هذا الصدد أيضاً نشير إلى أن كتاباً آخرين كان من المؤمل حضورهم بعد إبداء موافقتهم لتلبية الدعوة الموجهة إليهم من قبل الاتحاد، إلا أن ظروفاً ما أو تضارباً مع إلتزامات أخرى حال دون مجيئهم، من بينهم الروائي باولو كويلو صاحب رواية الخيميائي التي ترجمت إلى الكردية من قبل اتحاد أدباء دهوك، وبموافقة رسمية من الكاتب، وكذلك الروائية اللبنانية علوية صبح صاحبة رواية أسمه الغرام ومريم الحكاياالتي تزامن موعد لقاء ادبي لها في روما مع فترة مهرجان دهوك وكذلك الشاعرة المغربية فاطمة الزهراء بنيس .
وعلى صعيد المشاركات فقد توزعت على جلسات نقدية تناولت اللغة والأدب الكردي باللغتين العربية والكردية مسلطة الضوء على الجانب اللساني للغة والجانب الأدبي الذي توزع على الرواية والقصة والشعر الكردي، وجلسات شعرية عكست الطيف العراقي المزدان بألوان الشعر العربي والكردي والسرياني والتي تفاعل معها الجمهور تفاعلاً خلاقاً، وقد صحب كل ذلك حضور كبير ولافت للنظر برهن معه المثقف الكردي عن حبه لثقافته وأدبه وتفاعله معهما من جهة، وحبه لمعرفة الآخر وما في جعبته من الثقافات من جهة أخرى، مقدمين بذلك- كما يقول الناقد المسرحي حسب الله يحيى- الوجه المشرق لثقافتهم ليكون الوجه المعطاء الذي ينقل صورة مشرقة ومشرفة للوجه الثقافي في مدينة تباهي نفسها بالأناقة والجمال وتنتمي إلى عراق ما زالت جراحه تئن من دم ودموع.ولا يفوتني أن أذكر ذلك الحضور الفاعل للموسيقى الكردية التي بها أفتتح المهرجان وبها أختتم، ولاسيما تلك المعزوفات الموسيقية الجميلة للموسيقي الكبير دلشاد محمد سعيد الذي سحر الحاضرين وخاصة الوفود الزائرة التي خرجت بانطباع أكثر من رائع عن الفن الكردستاني و العراقي المتنوع بتنوع أهله. وكان للمعرض التشكيلي الذي اقامه فناني دهوك بالتنسيق مع اتحاد الادباء الكرد وقعا فنيا لما عكس عن الامكانيات التكنيكية المتنوعة للفنانين المشاركين الذين كان عدد 12 فنانا كرديا ، المعرض الذي افتتحة الدكتور كاوة محمود وزير ثقافة الاقليم في كردستانفي كاليري بانوراما الحرية . كان توقيت اصدار خمس كتب مع المهرجان التفاتة ذكيةمن جانب اللجنة التحضيرية للمهرجان حيث كانت الدراسات المقدمة للمهرجان بين دفتى كتابين بالكردية والعربية .
أما التنظيم فقد جرى بإنسيابية مريحة وعلى أفضل صورة، من حيث استقبال الضيوف من المطار وتوديعهم، وسكنهم وما يحتاجونه من وسائل الراحة والخدمة الممتازة، وأيضاً من حيث التوقيتات الدقيقة للجلسات ومواعيد الغداء والعشاء،أما ختامها فكان مسكاً حقاً تمثل في تلك الرحلة المتميزة إلى مصائفنا(زاويته- سرسنك – اينيشكي- سولاف) المعروفة بجمالها الخلاب جبالاً ومياهاً وأشجاراً، تركت معها الأثر البالغ في نفوس الوفود الزائرة وأوصلت رسالة بالغة الأهمية عن حيوية هذا الشعب الكردي وعمق تجذره الحضاري.
ولعل من أهم الأهداف المتحققة من هذا المهرجان، هو تقديم الثقافة الكردية- شعراً ورواية وقصة ونقدا وموسيقى- والتي هي جزء أصيل من الثقافة العراقية، تقديماً حياً عكست وجسدت عمق هذه الثقافة على نحو أثار معها تساؤلات واستفسارات مهمة من قبل الزائرين، واضعاً إياهم أمام حقيقة مهمة تكمن في ضرورة إتقان هذه اللغة كي يتسنى لهم الاطلاع عن كثب على هذه الثقافة من جهة، وعكست غزارة وقوة الماكنة الثقافية العراقية في إنتاجها لثقافة متعددة الوجوه والجوانب فضلاً عن تحفيزه للعراقيين على ضرورة إتقان اللغة الكردية التي بدأت تخرج من شرنفة المحلية إلى الأقليمية والدولية.
وأخيراً يمكنني القول وبكل فخر: إن مهرجان دهوك الثقافي الثالث كان مفخرة بحق وصرحاً ثقافياً مهماً وغزيراً من حيث العطاء، أتمنى أن نجده يتكرر في كل ربوع العراق من أقصاه إلى أقصاه.
|